الجمعة  20/10/2017     21:51 مساءً
يوتيوب
تويتر
فيس بوك
الأزمة الخليجية في ميزان القوة والتنافس
تاريخ اضافة الخبر:
05/07/2017 [ 00:07 ]
الأزمة الخليجية في ميزان القوة والتنافس
بقلم: أحمد سمير القدرة

ليس من السهل فهم الأسباب التي أدت إلى نشوء أزمة بين دولتين أو قوتين، كما ولا يمكن فهم السلوك والقرار السياسي لأي قوة إقليمية ودولية، تجاه الأزمة الناشئة دون الاعتماد على النظريات السياسية التي تُشكل مرتكزًا رئيسيًّا في مجال العلاقات الدولية, فالنظريات تمدنا بتفسيرات وإجابات لأسباب الأزمات والمشاكل القائمة بين الدول وطبيعة البيئة الإقليمية والدولية الحاصلة فيها الأزمة؛ فكل أزمة لها أسباب سياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية ودينية متداخلة مع بعضها البعض لا يمكن التقليل من أهميتها أو إغفال أي منها.

إن القوة هي الوسيلة للوصول وتحقيق الغاية، وإن الغاية هي البقاء، ولأجل البقاء تنشغل الدول بتوازن القوى للحصول على القوة التي تمكنها من البقاء والسيطرة والهيمنة.

في كتاب "مأساة سياسة القوى العظمى The Tragedy of Great Power Politics" لجون ميرشايمر، تبنى "الواقعية الهجومية Offensive Realists"، حيث ترى الواقعية الهجومية أن القوى العظمى تهتم بالدرجة الأولى بالحفاظ على بقائها في عالم لا توجد فيه هيئة أعلى من الدول لحماية إحداها من الأخرى، لذلك تدرك الدول أن القوة هي الأساس لبقائها.

بناءً على ما سبق الإشارة إليه، يمكن توظيف تلك المعطيات على الأزمة الخليجية لمحاولة التعرف على الجذور والأسباب الحقيقية وتداعيتها المستقبلية سواء على المستوى الخليجي أو حتى على مستوى منطقة الشرق الأوسط، وأيضاً على مستوى المنظومة الإقليمية والدولية من حيث السلوك والقرارات والتحالفات والعلاقات.

جاء قرار إنشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربي في ظل بيئة إقليمية ودولية مضطربة، كان أكثرها خطورة على الأمن القومي لدول الخليج العربي، نجاح الثورة الإسلامية الإيرانية والسعي الحثيث لتصدير الثورة إلى دول الجوار ولدعم ومساندة الطائفة الشيعية، فما كان من قادة دول الخليج العربي إلا أن تداعت للاجتماع في العاصمة الإماراتية أبوظبي أواخر يونيو 1981 وتم الاتفاق على تشكيل مجلس التعاون لدول الخليج العربي، لمواجهة الأخطار والتحديات المحيطة بمنطقة الخليج سواء من قبل إيران أو المحيط والجوار العربي والإقليمي فترة الحرب الباردة، وتعزيز التعاون المشترك بين دول مجلس التعاون سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وأمنياً وعسكرياً وثقافياً وتربوياً...الخ.

انطلقت مسيرة مجلس التعاون لدول الخليج العربي محفوفة بالكثير من التحديات والتطورات والمتغيرات, التي تعرض ومازال يتعرض لها النظام العربي والإقليمي والدولي، خاصة منذ سقوط النظام العراقي الذي أحدث فراغًا سياسيًّا كبيرًا في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، ومنطقة الخليج بشكل خاص، في هذه الأثناء بدأت الأطماع الإيرانية بالتوسع - التمدد والنفوذ – تتزايد تجاه المنطقة استثماراً لحالة الفراغ التي أوجدها سقوط النظام العراقي, بدعمها ومساندتها لأذرعها وحلفائها في المنطقة – العراق، اليمن، لبنان، سوريا، البحرين – التي أصبح التواجد والحضور والتأثير الإيراني فيها بشكل كثيف وظاهر, سعياً لتحقيق مخططها وتنفيذ مشروعها الصفوي وتحقيق حلم الإمبراطورية الإيرانية.

من جهة أخرى، لقد شكلت حالة الفوضى وعدم الاستقرار التي عمت المنطقة العربية بعد الحركات الاحتجاجية أو ما أجيز تسميته "ثورات الربيع العربي" مصدر تهديد إضافياً لدول مجلس تعاون الخليج العربي، التي أسفرت عن سقوط الأنظمة العربية – الحلفاء – وتولي التنظيمات والجماعات الإسلامية الحُكم والسلطة, وتحول مسار الحركة الاحتجاجية في سوريا وليبيا واليمن إلى صراع مسلح تشارك فيه قوى إقليمية ودولية وفاعلون من غير الدول مثل حزب الله والحرس الثوري الإيراني, بالإضافة إلى تدهور الأوضاع الأمنية والسياسية في العراق، والتي أدت إلى ظهور التنظيمات والجماعات الإرهابية بقيادة تنظيم (داعش) وتزايد تهديداتها وخطرها وزعزعة أمن واستقرار منطقة الخليج العربي بل الشرق الأوسط والعالم، كما أن الأزمة اليمنية شكلت نقطة مفصلية في الأمن القومي الخليجي، وخاصة بعد ما أقدمت جماعة الحوثي على تنفيذ انقلاب والسيطرة على العاصمة اليمينة, كذلك الاتفاق النووي بين مجلس الأمن وألمانيا (G5+1) وإيران، الذي شكل مصدر تهديد لدول الخليجية وخاصة السعودية، والخشية من أن يمنح هذا الاتفاق إيران القدرة على امتلاك السلاح النووي، في ظل استمرار سباق التسلح في المنطقة، كما أن مصادر الطاقة وخاصة النفط والغاز الطبيعي إلى جانب القنوات والممرات والبحار في منطقة الشرق الأوسط، التي زادت حدة التنافس الإقليمي والدولي من أجل تأمين مصالحها الحيوية وحصصها من الموارد الطبيعية (أمريكا، روسيا، تركيا، إيران)، نظراً لما تتميز به منطقة الخليج العربي من أهمية استراتيجية وحيوية غنية بالموارد الطبيعة ومصادر الطاقة، فتزايد حجم الأطماع والتنافس بين القوى الإقليمية والدولية للوصول والسيطرة على مصادر الطاقة والممرات المائية شكل مصدر تهديد للأمن القومي الخليجي، كل هذا بالتزامن مع استمرار التدخلات الإقليمية والدولية وتشكيل تحالفات وتجاذبات واستقطابات وفق أجندات تلك القوى من أجل حماية وتأمين مصالحها، وخدمة لمشاريعها ومخططاتها الهادفة إلى تقسيم الوطن العربي إلى دويلات وكنتونات قائمة على الطائفية والمذهبية والعرقية، حيث شكلت هذه البيئة الإقليمية المشتعلة مصدر خطر وتهديد لدول منطقة الخليج العربي وأمنها القومي.

لم تكن دول الخليج العربي بمنأى عن تلك التطورات التي تتعرض لها منطقة الشرق الأوسط، فوفق العقيدة الأمنية الخليجية، فإنها تُشكل تحديات خطيرة أمام حالة الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي وتحديات كبيرة تُعرض الأمن القومي الخليجي للخطر والتهديد، إذا ما تم الأخذ بعين الاعتبار التكوين السياسي والاجتماعي لدول الخليج العربي المبني على القبلية ونظام الحُكم الوراثي، بغض النظر عن حجم الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي اجريت في البيئة الداخلية والخارجية، إلا أن تلك الاصلاحات لم تُلغِ القبلية ولم تطور نظام الحُكم الوراثي ولم تُحد من حجم التحديات.

حظيت تلك التطورات باهتمام كبير لدى صانع القرار السياسي الخليجي عبر إجراء الكثير من النقاشات والاجتماعات واتخاذ القرارات من قبل قادة دول مجلس التعاون الخليجي، للتصدي ومواجهة هذه التحديات والتطورات التي أصبحت مصدر تهديد للأمن القومي الخليجي، سواء عبر البيانات الصادرة عن قمم مجلس التعاون الخليجي أو القمم والاجتماعات العربية أو عبر الإجراءات العملية، التي أكدت على أهمية الوحدة والموقف والقرار والمصير المشترك والتأكيد على ضرورة تحقيق وتعزيز التعاون والتنسيق والتكامل بين دول المجلس في كافة المجالات والميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والأمنية والثقافية والتعليمية. فقد اتخذت دول الخليج العربي العديد من الخطوات الاستراتيجية لمواجهة هذه التحديات والأخطار المحيط بدولهم مثل التنسيق والتعاون الأمني المشترك بين دول المجلس من خلال اقرار العديد من الاستراتيجيات المتعلقة في هذا الشأن, فتم تشكيل قوات درع الجزيرة عام 1982 وتم تفعيلها مجدداً مع بداية الحراك الشعبي في مملكة البحرين، وتوقيع العديد من الاتفاقيات الأمنية وتوقيع اتفاقية الدفاع المشترك، واتباع استراتيجية الدفاع الوقائي دبلوماسياً وعسكرياً بناءً على طبيعة المتغيرات والتحديات المحيطة بدول الخليج، بالإضافة إلى ذلك اعتمدت دول الخليج العربي المزيد من الإصلاحات والتنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأكدت على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الخليجية والعربية، وعدم دعم ومساندة وتوفير أي غطاء سياسي وقانوني وأي دعم مالي وعدم التستر وإيواء واستضافة أي شخصية أو جهة أو منظمة أو جماعة مُصنفة إرهابياً سواء خليجياً أو عربياً أو إقليمياً أو دولياً، تُزعزع وتهدد الأمن القومي الخليجي، عملاً بما هو منصوص في النظام الأساسي لمجلس التعاون الخليجي واستناداً على الاتفاقيات المشتركة والثنائية فيما بينها.

الأزمة الخليجية الحالية ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة لتراكمات تاريخية بين أطراف الأزمة، وكأي أزمة من الأزمات التي تعصف بين الدول فإن لها جذور، وبالتالي لا بد من توضيح جذور الأزمة الخليجية لفهم طبيعة الأزمة الراهنة ضمن بيئة التحديات التي تحيط منطقة الخليج العربي. الخلافات أو الأزمات الخليجية – الخليجية ليست بالظاهرة الجديدة؛ فمن الطبيعي أن يوجد اختلاف وتباين في وجهات النظر تجاه العديد من المواضيع والقضايا الداخلية والخارجية، تتسبب في إحداث خلافات –سرية وعلنية– فيما بين دول مجلس التعاون الخليجي العربي، والأمر يعود إلى طبيعة الثقافة السياسية والاجتماعية في دول الخليج العربي، وهذه الخلافات الخليجية تأخذ العديد من الأشكال منها ما هو له علاقة بالتنافس السياسي والاقتصادي بين دول الخليج العربي للزعامة والقيادة في منطقة الخليج، ومنها ما له علاقة بالنزاعات الحدودية بين دول الخليج، ومنها ما له علاقة بالتباين والاختلاف في السياسة الخارجية لدى دول الخليج العربي ومواقفها تجاه القضايا والأزمات المحيطة بها، ومنها ما له علاقة بطبيعة العلاقات مع دول الجوار.

تعود جذور الأزمات الخليجية إلى سبعينات القرن الماضي، منذ أن اتخذت الحكومة البريطانية قراراً بالانسحاب من منطقة شرق السويس، وحصول دول منطقة الخليج العربي على الاستقلال وبدء ترسيم الحدود التي نجم عنها نزاعات مستمرة على الحدود حتى الوقت الحالي، كما كان اكتشاف النفط والغاز الطبيعي دوراً مهماً في وقوع الخلافات، فقد تميزت دولة قطر دون غيرها من الدول الخليجية بوفرة مصادر النفط والغاز الطبيعي مما جعلها قوة اقتصادية ليس في الخليج العربي ومنطقة الشرق الأوسط بل على مستوى العالم، حيث يُمثل الغاز الطبيعي ثالث أكبر احتياط في العالم، هذه القوة الاقتصادية انعكست بشكل كبير على الجانب السياسي لقطر ساهمت في تعدد وتنوع أدوات السياسة الخارجية، ومنحتها موقعًا متقدمًا ولعب دور مؤثر وفاعل في العديد من القضايا والأزمات، والتنافس فيما بينها وبين القوى الإقليمية الأخرى في منطقة الشرق الأوسط، مستفيدة من العلاقة والشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية من خلال وجود القاعدة العسكرية الأمريكية "قاعدة العيديد"، ما أدى إلى انزعاج الدول الخليجية وخاصة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات، من السلوك القطري جراء تمددها السياسي والاقتصادي في الكثير من دول المنطقة سواء بشكل رسمي أو غير رسمي، وتبني قطر في الكثر من الأوقات سياسة مختلفة ومتناقضة عن السياسة المشتركة والمتفق عليها بين دول مجلس التعاون الخليجي، حيث تميزت السياسة الخارجية القطرية بالكثير من الدينامية والقدرة على ايجاد حالة من العلاقات المتوازنة مع الكثير من الدول الإقليمية والدولية ما أهلها إلى أن تكون شريكًا فاعلًا في المنظومة الإقليمية والدولية وتحديد الاستراتيجيات، وهذا التطور القطري يعود إلى تسعينات القرن الماضي. استثمرت دولة قطر قوتها السياسية والاقتصادية في تعزيز مكانتها الإقليمية والدولية عبر المشاركة في المؤتمرات والندوات ذات الاختصاص، وتوظيف الإعلام ليكون أحد اهم أدوات سياستها الخارجية فقامت عام 1996 بالإعلان عن انطلاق قناة الجزيرة. كما أن طبيعة العلاقات القطرية – الإيرانية تُعتبر أحد أسباب الخلافات بين دول الخليج وقطر، فمنذ اعلان استقلال قطر تعززت العلاقات بين الدولتين وتحديداً من الناحية الاقتصادية بسبب ضخامة موارد الغاز الطبيعي لكلا الدولتين. النقطة الأخرى التي تأتي ضمن هذا السياق، المواقف المتباينة بين أطراف الأزمة تجاه أزمات منطقة الشرق الأوسط والتنظيمات والجماعات الإسلامية وتحديداً جماعة الإخوان المسلمين و(داعش).

من جهة أخرى تُعتبر السعودية من الدول الإقليمية ذات الأهمية الاستراتيجية في المنطقة، إذ إن توظيف البُعد التاريخي والجغرافي والسياسي والاقتصادي والعسكري والاجتماعي والديني والديمغرافي في سياستها الخارجية، أهلها لأن تكون من الدول المؤثرة والفاعلة في المنطقة والتنافس على ريادة وزعامة الخليج العربي والدول العربية والإقليمية والشرق الأوسط، والسعي الدائم إلى تنوع تأمين مصادر قوتها للبقاء والسيطرة في ظل التنافس بين القوى الإقليمية الكبرى، هذا الأمر أوجد حالة من عدم التوافق والتنافس وحالة من التباين وعدم اليقين والثقة بين السعودية وقطر في القرارات والمواقف والسياسات.

يمكن اعتبار النقاط سالفة الذكر أبرز العوامل الأساسية للأزمة الخليجية الراهنة، لكن كيف تفاعلت هذه العوامل وتطورت في الوقت الراهن؟

منذ اندلاع حركة الاحتجاجات العربية أو ما يُسمى بـ"ثورات الربيع العربي"، تباينت المواقف والتحركات السياسية الخليجية تجاه الحركات الاحتجاجية، فقد اعتبرت قطر هذه الاحتجاجات فرصة ثمينة لتعزيز قوتها ونفوذها في منطقة الشرق الأوسط خاصة في ظل تراجع وضعف القوى العربية الإقليمية بعد انهيار النظام العراقي، فعملت على تسخير الجانب السياسي والاقتصادي والإعلامي (قناة الجزيرة) لتوفير الدعم والمساندة للحركات الاحتجاجية وتبني المستوى الرسمي في الدولة القطرية لهذه الحركات ومساندتها بشتى الوسائل والطرق، هذا الأمر قد أثار حفيظة قادة دول مجلس التعاون الخليجي وبشكل خاص السعودية والإمارات، وذلك بعد التحول الذي طرأ على تلك الاحتجاجات بانضمام التيارات الإسلامية وخاصة جماعة الإخوان المسلمين، وتغير مسار المطالب من الإصلاح والتنمية إلى مطالب بإسقاط النظام، هذا التطور أدى إلى سقوط أنظمة سياسية حليفة لدول الخليج، وتمكن جماعة الإخوان المسلمين من تصدر المشهد السياسي عبر السُلطة والحُكم، فكان بمثابة ناقوس خطر على منطقة الخليج العربي، خاصة أن الدول الخليجية تضم نسبة من جماعة الإخوان المسلمين، هنا كانت الخشية من تأثرها بما يجرى في المحيط والتحرك والمطالبة بإصلاحات قد تتطور إلى ما آلت إليه الأوضاع في الدول العربية، يعمل على تهديد وزعزعة الاستقرار والأمن في البيت الخليجي، وما زاد من حدة الخطر والانزعاج الخليجي استضافة قطر لقيادات جماعة الإخوان المسلمين والحركات الإسلامية خاصة بعد الحركة الاحتجاجية التي أدت إلى سقوط حُكم الإخوان المسلمين في مصر، واستمرار قطر في توفير الدعم والمساحة السياسية (التواجد والإقامة) والمنابر الإعلامية لهم، فالسعودية والإمارات تدعم وتساند النظام المصري الحالي بخلاف قطر التي تقف ضد النظام المصري الحالي وتدعم جماعة الإخوان المسلمين، وهو نفس المشهد لكن بطريقة معاكس إبان حُكم جماعة الإخوان المسلمين، فالسعودية والإمارات كانتا ضد حُكم الإخوان المسلمين في مصر بعكس قطر التي دعمت وساندت حُكمهم، وهذا الأمر يتطابق أيضاً في الحالة الفلسطينية في ظل استمرار الانقسام الفلسطيني.

في ظل تصاعد الأزمة السورية والليبية واليمنية والعراقية، واحتدام التنافس الإقليمي والدولي وتنامي الجماعات والتنظيمات الإرهابية فيها بقيادة تنظيم (داعش)، نجد تباينًا في سلوك ومواقف الدول الخليجية تجاه أطراف الأزمة والصراع، على الرغم من القرارات الصادرة من قبل دول مجلس التعاون الخليجي حول الأزمة السورية في بدايتها، بأهمية وقف اطلاق النار الفوري وحل الأزمة عبر الطرق السياسية والحوار، إلا أن تطور الأحداث في سوريا دفع الدول الخليجية إلى رفع الغطاء عن النظام السوري والعمل على تسليح المعارضة، فنجد أن كلاً من السعودية والإمارات وقطر قد دعمت أطرافًا متباينة أيديولوجياً من المعارضة السورية, فقطر تدعم جبهة النصرة وهي مصنفة إرهابية، بينما السعودية والإمارات تدعمان المعارضة السورية المسلحة المعتدلة وتحديداً الجيش السوري الحر، وبالتالي سلوك قطر مساراً مخالفاً للقرار والموقف الخليجي.

كان للتقارب القطري – الإيراني، وتعزيز العلاقات في العديد من الملفات وخاصة الاقتصادي، إلى جانب المواقف السياسية المتقاربة تجاه الأزمات والقضايا الدائرة في منطقة الشرق الأوسط، مصدر ازعاج وقلق للسعودية والإمارات، على الرغم من تفاوت نسب العلاقات بين دول الخليج وإيران بشكل خاص من الناحية الاقتصادية، إلا أن هذا التقارب القطري الإيراني من وجهة نظر السعودية والإمارات هو بمثابة خطر محدق على السلم والتكوين الاجتماعي الخليجي.

هذه التطورات وهذا التباين والاختلاف في وجهات النظر والسلوك والقرار السياسي من قبل السعودية والإمارات من جهة وقطر من جهة أخرى، دفع دول مجلس التعاون الخليجي إلى ضرورة إعادة النظر في السياسة الخليجية في التعاطي مع تطورات الأحداث والصراعات التي طالت البيئة الخليجية، فاجتمع قادة دول مجلس التعاون الخليجي في 23 نوفمبر 2013 في العاصمة السعودية الرياض وأجريت مباحثات ونقاشات حول ما آلت إليه المنطقة العربية من فوضى سياسية وعدم استقرار، وكان من نتائج هذا الاجتماع الإعلان عن توقيع "اتفاق الرياض الأول"، بهدف تحصين البيت الخليجي من ارتدادات تلك التطورات، بما يُعزز التعاون والتنسيق المشترك بين دول مجلس التعاون الخليجي على كافة المستويات، والتأكيد على وحدة القرار والمصير الخليجي المشترك ووحدة الهدف، كما تم توقيع الاتفاق الأمني في يناير 2014؛ والذي يكفل عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي من دول المجلس بشكل مباشر أو غير مباشر، وعدم دعم كل مَنْ يعمل على تهديد أمن واستقرار دول المجلس من منظمات أو أفراد؛ سواء عن طريق العمل الأمني المباشر، أو عن طريق محاولة التأثير السياسي، وعدم تقديم أي دعم عبر وسائل الإعلام لأي جهة تُشكل مصدر تهديد على أمن واستقرار البيت الخليجي، انسجاماً وتماشياً بما جاء في النظام الأساسي لمجلس التعاون الخليجي.

بناءً على ما سبق، وحسب ما جاء في البيان المشترك للسعودية والإمارات ومملكة البحرين، أن السياسة القطرية بعد مضي ثلاثة أشهر على توقيع "اتفاق الرياض الأول" مع دول مجلس التعاون الخليجي، لم تتغير ولم تتخذ قطر خطوات عملية لتنفيذ ما تم الاتفاق والتوقيع عليه وعدم الالتزام بالسياسة الخليجية الموحدة، إلى جانب استمرار التدخل في الشؤون الداخلية لدول مجلس التعاون الخليجي، واستمرار دعم الجماعات والتنظيمات الإرهابية وجماعة الإخوان المسلمين، فقد اعتبرت الدول الخليجية الثلاثة أن هذا يُشكل خروجاً على "اتفاق الرياض"، وبالتالي اعتبرت السعودية والإمارات ومملكة البحرين أن قطر أصبحت عامل مزعزع للاستقرار والأمن القومي الخليجي، ونتيجة لذلك طفت الخلافات على السطح بين دول مجلس التعاون الخليجي لأول مرة في مارس 2014 التي عرفت بأزمة سحب السفراء بعد أن قررت السعودية والإمارات والبحرين سحب السفراء من قطر، رداً على السياسة القطرية المستمرة وفق ما جاء في البيان المشترك لسحب السفراء للدول الخليجية. استمرت هذه الأزمة قرابة ثمانية أشهر، بذلت خلالها الكويت مساعي حثيثة لرأب الصدع الذي حدث في البيت الخليجي، فقد أسفرت الوساطة الكويتية في نوفمبر 2014 التوصل إلى توقيع "اتفاق الرياض التكميلي" الذي أعلن عن انتهاء الأزمة وعودة سفراء الدول الثلاثة إلى قطر، بما يخدم ويُعزز الوحدة والأمن والاستقرار، ترسيخاً لروح التعاون والمصير المشترك بين دول مجلس التعاون الخليجي.

بعد مرور ثلاثة سنوات على أزمة سحب السفراء، تفجرت أزمة خليجية جديدة بين السعودية والإمارات ومملكة البحرين إلى جانب مصر من جهة وقطر من جهة أخرى، وهذه الأزمة ليست منفصلة عن الأزمة السابقة بل استكمال لأزمة سحب السفراء، فقد تفجرت الأزمة في 25 مايو 2017، بناءً على تصريحات نُسبت إلى أمير دولة قطر نُشرت على القناة القطرية ووكالة الأنباء القطرية الرسمية، أدت إلى اتخاذ قرار من قبل السعودية والإمارات والبحرين ومصر بقطع العلاقات الدبلوماسية والقنصلية مع قطر، وإغلاق المنافذ البرية والبحرية والجوية مع قطر، نظراً لأن تلك التصريحات مست أمن واستقرار دول الخليج العربي، جراء نقض وتراجع وعدم تنفيذ ما جاء في "اتفاق الرياض 2013" و"اتفاق الرياض التكميلي 2014" واستمرار قطر بممارسة الانتهاكات والتدخلات في الشؤون الداخلية لدول مجلس التعاون الخليجي وخاصة السعودية والإمارات ومملكة البحرين، ومواصلة دعم ومساندة واحتضان الجماعات الإرهابية (الإخوان المسلمين، داعش، القاعدة، حزب الله اللبناني)، واستمرار تسخير وسائل الإعلام في مهاجمة والتحريض وتأجيج الفتنة بين دول الخليج، ومواصلة دعم جماعة الحوثي في اليمن، وتنامي العلاقات القطرية الإيرانية...الخ، حسب ما جاء في بيانات قطع العلاقات الدبلوماسية والقنصلية، في المقابل فإن قطر ومنذ اللحظة الأولى للأزمة أعلنت عدم صحة ما جاء في بيان المقاطعة ونفت ما نُسب من تصريحات عبر وسائل الإعلام المرئية والمقروءة.

توقيت الأزمة تزامن بعد عدة أيام من انتهاء القمة العربية الإسلامية الأمريكية التي عُقدت في العاصمة السعودية الرياض، بمشاركة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومشاركة 55 دولة، الذي جاء في بيانها الختامي التأكيد على أهمية مواجهة التطرف والإرهاب وتحقيق السلام والاستقرار والتنمية إقليمياً ودولياً، عبر بناء شراكة وثيقة بين قادة الدول العربية والإسلامية والولايات المتحدة الأميركية، من خلال قيام تحالف "الشرق الأوسط الاستراتيجي". هذا التزامن يُعطي مؤشراً واضحاً حسب وجهة نظر الدول المقاطعة عدم تطابق الموقف القطري مع الموقف العربي والإسلامي والأمريكي في ضوء تطابق المواقف والقرارات والتحركات بين المحور السعودي العربي والولايات المتحدة الأمريكية الهادفة إلى فرض استراتيجية شرق أوسطية جديدة. 

التعليقات
عدد التعليقات: 0
أدب وثقافة
بقلم د. عبد الرحيم جاموس
بقلم د. عبد الرحيم جاموس
بقلم د. عبد الرحيم جاموس
إستفتاء القراء
لمن ستصوت في الانتخابات البلدية؟
فتح
حماس
الجهاد
الاحزاب اليسارية
مستقلين
انتهت فترة التصويت
أسعار العملات بالشيكل
العملة سعر الشراء سعر البيع
الـدولار الامـريـكـي 3.63 3.62
الدينــار الأردنــــي 5.12 5.11
الـــيــــــــــــورو 4.28 4.27
الجـنيـه المـصــري 0.19 0.18
الرئيس محمود عباس: "«الكفاح الفلسطيني سيستمر حتى رفع العلم الفلسطيني فوق عاصمتنا الابدية مدينة القدس المحتلة». ::: "لن نركع، وقفنا وصمدنا وصبرنا نحن فعلا شعب أيوب، ومستعدون أن نصبر، لكن في النهاية لا بد أن نحقق ما نريد" ::: القدس هي البداية والنهاية، ومفتاح السلام، والقلب النابض لدولة فلسطين وعاصمتها التاريخية الأبدية ::: "نحن لا نغوى الموت، لكن مرحبا بالشهادة إن حصلت، على القدس رايحين أبطال وأحرار بالملايين'.. ::: إن شعب الجبارين لن يركع إلا لله تعالى ولن يستسلم أبداً، بل إننا صامدون وسنمضي قدماً للدفاع عن وجودنا ومقدساتنا وأرضنا وحقوق شعبنا. ::: اللهم يارب الكون أطعمنى أن أكون شهيداُ من شهداء القدس ::: فتح أول الرصاص وأول الحجارة ::: الفتح وجدت لتبقى وتنتصر ::: يريدوننى إما أسيراُ وإما طريداُ وإما قتيلاُ لا أنا بقلهم ... شهيداُ ... شهيداُ... شهيداً ::: علي القدس رايحيين شهداء بالملايين