الاثنين  11/12/2017     13:17 مساءً
يوتيوب
تويتر
فيس بوك
عاجل
مئة عام على "الثورة العربية الكبرى":
لورنس: صديق المصالح الاستعمارية وعدو العرب
تاريخ اضافة الخبر:
29/08/2017 [ 22:14 ]
لورنس: صديق المصالح الاستعمارية وعدو العرب
لورنس العرب
بقلم: د. فيصل دراج*

تمتع الإنجليزي توماس لورانس بصفات متعددة: فهو المغامر والمستشرق والعارف بأحوال العرب

والمأخوذ بالبحث عن الآثار والجندي الذي كان حاضراً في "الثورة العربية"، وضابط الاستخبارات

الذي أسهم في اتفاقية سايكس بيكو، بعد الحرب العالمية الأولى 1914 - 1918 والمولع بالدراجات

السريعة التي قتلته عام 1935، وصاحب النظر العسكري الاستراتيجي والكاتب الذي أنجز "أعمدة

الحكمة السبعة"، الذي رفعه إلى مقام الأدباء الكبار، والإنسان الأسطورة المتناقض الصفات.

بيد أن ما أشهره، على صعيد الرأي الشعبي الإنجليزي والغربي بعامة، ماثل في صورة تثير الغرابة

والفضول: كوفية عربية بيضاء تغطي رأسه وعنقه، تمتد في عباءة مذهبة، أو شبه ذهبية، وعقال مذهب

من طبقتين، وخنجر جعله يبدو أميراً عربياً. لم تكن تلك الهيئة تأتلف مع وجهه الأبيض، الناصع البياض،

وعينيه الزرقاوين وأنفه الدقيق الحاد وشفتيه المزمومتين اللتين تعبران عن الصرامة. والرجل في صورته

الهجينة ينظر بإصرار إلى هدف لا يراه غيره، يمتد من عالمه الداخلي المضطرب إلى "مصالح الإمبراطورية".

1. لورانس في كتاب آشر:

كان للرجل، كما قال كاتب سيرته مايكل آشر، صفاته التي تنوس بين الحقيقة والاختراع: الاشتهار

بالقسوة المفرطة التي نسبته إلى السادية، والقول بأنه كان رومانسياً لطيفاً لا علاقة له بالقسوة،

ونعته بالشذوذ الجنسي وبما ينفيه، وقوة الإرادة والضعف الجسدي، ومحبته للعرب وتعاطفه

الشديد مع اليهود، وتميّزه بالصدق والكذب معاً،... وما لا يحتمل التأويل تجسد في أمرين: خدمته

المتفانية للمصالح الاستعمارية البريطانية، التي جعلت منه بطلاً وطنياً، اشترك في "جنازته" الآلاف

من بني قومه وعدد من كبار العسكريين والمسؤولين، وتمثاله الذي صنعه صديقه إيريك لينينجتون،

حيث يبدو "مسجّى" بلباس العربي، والموضوع في الكنيسة الأنجلو سكسونية القديمة في ويرهام في

دروست، حيث يأتيه آلاف من الزوار كل عام.

استهل مايكل آشر كتابه بقولين للورانس، يكشفان عن أشياء عن نظره إلى نفسه وإلى العالم، جاء

في الأول: "القصة التي أخبرك بها من أبهى ما يمكن أن يخبر به إنسان آخر". تشير القصة، بداهة،

إلى الشرق العربي وإلى ما عاشه بين العرب، كما لو كان فيها فرادة لا تتكرر كثيراً، وهو الذي ادعى

أنه كان بإمكانه أن يسيطر على العرب، الذين خالطهم، حين كان ينقب عن الآثار في شمال سوريا،

سيطرة كاملة، وجاء في القول الثاني: "على الإنسان أن يشقى كي يكون راضياً"، دون أن نعرف هل

وصل لورانس إلى ما يرضيه، وهو يكتشف الصحراء العربية، أم لم يصل إليه أبداً، هو الذي نعت

كتابه الشهير، بعد أن نشره، بالتفاهة.

إذا كان هناك ما يبعث الرضا في نفس لورانس فقائم، بالتأكيد، في تطوافه الطليق في الصحراء

العربية، مرضياً فضوله كمغامر ومكتشف، وكمتأمل لوجوه الصحراء في أحوالها المختلفة ذلك أنه

قرأ في خريف عام 1908 كتاب تشارلز دوتي "الصحراء العربية"، الكاتب الأشهر في مجاله، والذي

رآه فيه لورانس: "إنجيلاً في نوعه".

قد يكون في كلمة "الإنجيل" التي استعملها الضابط الإنجليزي، ما يستدعي أمرين: اهتمامه المبكّر

بإيمان العصور الوسطى، وما ارتبط به من حملات صليبية على الشرق العربي، وبالقلاع الصليبية في

سورية، التي أراد أن تكون موضوع: "أطروحته الجامعية"، ذلك أنه أراد أن يدرس الآثار "الباعثة

على التجديد" التي تركها الصليبيون في سورية. إضافة إلى "فنون القتال" في العصور الوسطى التي

درسها بعناية. أما الأمر الآخر فيرتبط بإيمانه المسيحي القلق، وهو الذي انتقل من الإيمان كل

الإيمان، إلى الشك. فكما يذكر كاتب سيرته، فإن إيمان لورانس بالمسيحية بدأ بالتزعزع منذ عام

1908 ، بل أنه كتب لاحقاً إلى روبرت جريفيز: "إنني أسقط في العدمية، إلى درجة أنني لا أستطيع

حتى العثور على إله زائف أؤمن به".

تفرض المناسبة التي أوجبت الحديث عن لورانس، أي الثورة العربية الكبرى، التوقف أمام إشاراته

إلى اليهود والعرب، خاصة أنه أسهم في ولادة وعد بلفور، عام 1917 ، الذي أقرّ "بوطن قومي لليهود".

فوفقاً لما يورده آشر في كتابه، على لسان إسرائيلي قابله: "لورانس كان صديقاً لليهود، آمن بإسرائيل

كوطن قومي لنا، ولهذا لن ننساه أبداً. ص: 62 " يعلق آشر قائلاً: "ما قاله الإسرائيلي صحيح كلياً.

فمثل كثير من أبناء جيله كان لورانس مستثاراً بفكرة عودة اليهود إلى أراضي أجدادهم قبل ألفي

عام: رأى البريطانيون في أنفسهم حراساً سرّيين للزمن، قادرين بفضل ثروتهم وقوتهم على إعادة بناء

التاريخ". وما زالوا يتابعون هذه الحراسة السرية منذ احتلال مصر عام 1882 إلى زمن تدمير العراق، في زمن توني بلير؟ لم يكن غريباً، إذن، أن يقوم لورانس بزيارته الأولى للجليل في فلسطين عام 1909

وأن يستمر في هذه الزيارات إلى أن اطمأن على أحوال "شعب الله المختار" القادمة، وأهدى كتابه إلى

"سارة أرنسون"، الجاسوسة اليهودية اللامعة، تقديراً "للخدمات التي قدمتها لبريطانيا".

وفي حدود مزاج متقلّب يتضمن القليل من الصدق والكثير من الخديعة، يكتب لورانس لأمه "إنني

عربي العادات"، دون أن يحدّد هذه العادات، ويتخذ من فريدة عقل، من مدينة جبيل اللبنانية،

مرشدة له في "الثقافة العربية"، إلى أن يؤكد أن "العربي لا يتعرّف كفرد، إنما يتحدد بعائلته وعشيرته"،

الأمر الذي أهّله، كما يقال، أن يصبح "حكماً مقبولا" بين العرب، يثير غيرة العرب أنفسهم.

انطلاقاً من معرفته المفترضة بالعرب، أو من نظرة خاصة به، تهدف إلى "استعمال العرب"، ميّز

لورانس، بشكل قاطع، بين العربي القابل للفساد، والعربي كما يجب أن يكون، حيث الأول هو

الذي يقلّد "الغربيين" ويتعلّم لغتهم، بينما العربي الجوهري، الذي هو أقرب إلى "المتوحش النبيل"،

هو الذي يحتفظ بطبيعته "الأولى"، التي تبتعد عن الغربي ولا تقلّده، ولا تتعلم لغته. لذلك انتقد

الفرنسيين وسعيهم إلى تعليم العرب اللغة الفرنسية، التي تفسدهم، بينما المطلوب "إنجليزياً" هو

العكس، أي أن يتعلّم الأوروبيون اللغة العربية، هو ما فعله لورانس باجتهاد كبير، دون أن يتقن

اللغة العربية. ومثلما كان يكره الفرنسيين كان يكره المصريين، الذي يقلدون الإنجليز على عكس

السوريين، في شمال سوريا، الذين لا يولون لتعلّم اللغات الأوروبية أهلية خاصة.

وواقع الأمر أن لورانس حاول صوغ نظرية في السيطرة على العرب ومفادها: ضرورة أن يتصرف

الإنجليزي كالعرب، يتحدّث بلغتهم ويأكل أكلهم وينام مثلهم، ويرتدي من لباسهم، حتى يكاد

أن يمحو، ظاهرياً، الفرق بينه وبينهم، إن لم يقنعهم أنه منهم وأنهم من شعبه، وأنه يصدقهم

ولا يكذب عليهم، وأنه يدافع عنهم، لأنه ينتمي إلى "قبيلتهم". ولهذا فإن ارتداء لورانس الملابس

العربية لم يكن "عملاً استشراقياً"، أو جذباً للنظر والفضول، بل كان "ممارسة كولونيالية" و "فعلاً

استعمارياً" نشيطاً، يضعه إلى جانب العرب، ويكون سيداً بين أسيادهم، ويدفع العرب إلى صفة،

طالما أنه مؤمن بلغتهم وعاداتهم. أراد في "طرافته المبتذلة" أن يصنع: العبد السعيد، أي العربي

الخاضع الذي هو سعيد بخضوعه لإنجليزي أشقر اللون وأزرق العينين، وينام فوق الرمل ويشرب

"حليب النوق". الطريف أنه رأى في العربي الذي يتحدّث الفرنسية "عربياً مبتذلاً"، وفي السعي

الفرنسي إلى نشرها "سياسة مبتذلة". وذلك أن المطلوب الحفاظ على العرب كما هم، من دون

زيادة أو نقصان، فلهم صحراؤهم الواسعة، وعليهم أن يحتفظوا بالطبع الصحراوي، الذي تفسده

الحضارة القادمة من وراء البحار.

ومع أن السيد آشر رأى في موقف لورانس تعبيراً عن رومانسية جامحة، تريد أن ترى العرب

كما رأتهم "الذاكرة الرومانسية" التي تحتفي "بالمتوحش النبيل"، فإن ما قصده لورانس كان:

إتقان الإخضاع وتوليد عرب ينجذبون إلى "خضوعهم"، وهو ما عبر عنه "دحّوم"، "صبي لورانس

الوسيم"، الذي قال عن سيده الإنجليزي: "نحن نحترمه ونقدّر عالياً شجاعته: نحن نحبه لأنه يحبنا

ومستعدون لأن نضحي بحياتنا من أجله". ليس "دحوّم" هذا، الذي كتب فيه لورانس قصائد غزلية

ملتهبة، إلا "جمعة" في رواية روبنسون كروزو، الذي بدا "لرجل الله الإنجليزي" مادة أولية لينة،

تمكن صياغتها بالأشكال الملائمة المفيدة.. ولهذا استهل اللقاء بين روبنسون و"جمعة" بالانحناء

و"تقبيل" حذاء "صاحب الجزيرة" المسلح.

بيد أن لورانس، الذي كان يكره الأتراك كرهاً مقيتاً، لم يكن السيد الذي أراد أن يكونه دائماً، إذ كان

يصرخ ويعطي الأوامر ويشهر سيفه، ويدير له كثير من رجال القبائل في الأردن ظهورهم.

2- لورانس وكتابه:

في عام 1919 كان لورانس قد تهيّأ لكتابة "أعمدة الحكمة السبعة"، الذي سجل فصوله الأولى

معتمداً على الذاكرة أضاف إليها، رغم انشغالاته، فصولاً أخرى، لم تشعره بالرضا. وبعد أن حصل

على "منحة علمية" انتقل في 1920 إلى لندن، وأعاد النظر في ما كتبه منجزاً 200.000 كلمة في ثلاثة

أشهر بأسلوب أدبي جميل، سرد فيها معاركه ضد الأتراك ووقوفه إلى جانب العرب. كان يحلم

بعمل أدبي كبير، كما قال، يرقى إلى مستوى الحرب والسلام لتولستوي وموبي ديك لهيرمن ميلفل.

ومع أن هذا الإدعاء لا يخلو من السخف، فقد رأى وينستون تشرتشل، رئيس وزراء بريطانيا

لاحقاً، أن "الأعمدة السبعة" تقف في مستوى أعظم الكتب التي وضعت في اللغة الإنجليزية أو أنها

"ملحمة" رائعة. كما قرّظ الكتاب أدباء كبار مثل جورج برناردشو وتوماس هاردي وج. ه. ويلز.

وواقع الأمر أن لورانس أراد بكتابه أن يخلق أسطورته بحقائق يعود ويرفضها، كأن يصرّح بأن

انتصاراته ضد الأتراك جاءت من غير جهد كبير، وأن أسطورته كلها كاذبة، كما صرّح للروائي الشهير

جوزيف كونراد، البولوني الأصل الذي كان يكتب باللغة الإنجليزية، وأن ما قام به ليس أكثر مما

مئة عام على "الثورة العربية الكبرى":

105

رآه في حرب العرب ضد الأتراك.. لهذا دعا كتابه، في البداية، "تمرد في الصحراء"، دون أن ندري

هل كلمة "تمرد" تعود إليه أم إلى العرب. ولا يعرف على أي حال تخوم الحقيقة وأركان الكذب

في كتابته، فقد اتفق الكثيرون على "دمويّته الفاحشة" في التعامل مع الأتراك، كأن يأمر "المقاتلين

العرب" بأنه "لا يريد أسرى"، ويعود ليبرر ذلك برغبته في الانتقام للعرب، الذي عانوا الظلم

العثماني طويلاً ، بل كان ينسب إليه، بأنه أراد أن يدخل العرب إلى دمشق وأن يتابعوا السير إلى

الأناضول. هل رغبته هذه تنطلق من رغبة عربية في التحرر من محتل قديم، أم تعود إلى حقده

على العثمانيين الذين سيطروا على أجزاء من أوروبا ذات مرة؟ وبالتأكيد فإن كتابه لا يشكل وثيقة

"جندي بريطاني "غيور على مصلحة العرب، إنما هو كتاب مسكون بأطياف الشرق التي استقرت في

ذاكرة استشراقية مكينة.

جاء في الفصل الأخير من كتابه وعنوانه "خاتمة": "لم تبدأ دمشق غمداً بسيفي، عندما نزلت

أرض الجزيرة العربية: إلا أن دخولها قد ختم تعب وإرهاق مجريات مهمتي الرئيسية. وأن

أقوى حافز لي طوال تلك المهمة كان حافزاً شخصياً، لا يذكر هنا، لكنه يظل كامناً في نفسي، في

كل ساعة من ساعات تلك السنتين الماضيتين 1917  1918 "مهما تكن المهام التي أوكلتها وزارة

المستعمرات البريطانية إلى لورانس، فقد كان حافزه شخصياً. له علاقة "بامتلاك الشرق"، أو "بجشع

النجاح"، وبإقناع العرب بأنه يعمل لصالحهم، ذلك "أن العرب، كما يقول، يثقون بالأِشخاص، وليس

المؤسسات. فهم رأوا فيّ عميلاً حراً للحكومة البريطانية، وطلبوا مني العمل على تطبيق تلك الوعود

المكتوبة من قبل الحكومة. لذلك فقد كان علي أن أنضمّ إلى المؤامرة، وأن أقوم بإعطاء تعهّدات

كلامية للرجال بأنهم جديرون بالمكافأة. وخلال سنتين من العمل المشترك في ظل المعارك المشتعلة،

اعتادوا على تصديقي وظنوا أن حكومتي، مثلي تماماً، بأنها مخلصة في وعودها. وفي ظل هذا الأمل

قاموا ببعض الأعمال الرائعة، ولكن، بالطبع، بدلاً من أن نكون فخورين بما قمنا به سوية، كنت

خجلاً باستمرار، وبشدة من نفسي..".

إذا كان في اشتراك لورانس في "تمرد الصحراء" باعث شخصي، فإن هذا الباعث ذاته هو الذي دفعه

إلى "الخجل من نفسه"، وهو الذي كان يقول للعرب شيء ويفعل شيئاً آخر، ويعدهم "بنصر نهائي"،

يحقق الأمل العادل الذي يطمحون إليه. ولذلك يتحدث عن "الانتصار الرخيص" الذي حققه

البريطانيون، وعن عدم قناعته "بتوريط العرب في خطر مجهول"، لن يحقق من آمالهم شيئاً.

فهو يقول: "وخاطرت بشكل مخادع، على الرغم من قناعتي أن مساعدة العرب لنا كان ضرورياً

لانتصارنا الرخيص والسريع في الشرق، وأنه كان من الأفضل أن نكسب الحرب، وننقض تعهداتنا،

بدلاً من أن نخسرها..".

وقف لورانس إلى جانب حكومته التي نقضت تعهداتها، التي جسدّها السير هنري مكماهون،

الذي وعد الشريف حسين بكثير من الوعود، ونكث بعهوده. "والشيء الوحيد الذي ظل، كان رفض

المكافآت لأني كنت مخادعاً ناجحاً،.. وبدأت في تقاريري المنشورة أكشف الوجوه الحقيقية للأمور،

وتأمل تلك القلة من العرب الذين كانوا يعرفون الحقيقة، ويتحفظون عليها، ويعملون على الكشف

عنها. ..". ولعل هروبه من الحقيقة هو الذي دفعه في نهاية الكتاب إلى تقديم ملاحظات عن وضع

:الجندي "الذي يضع جسده لمالكه مدة أربع وعشرين ساعة، ... ذلك أن الجندي الذي يرفض

الأوامر جندي سيئ، وهو ليس بجندي حقاً، لأن عواطفه مؤجرة...... ..".

وعلى الرغم من خجله من ذاته، وسخطه على سلوك قادته، فهو يذكر في بداية كتابه: "لقد كنا

جيشاً مستقلاً، كرس من أجل الحرية، وله عقائد وقيم ، وله هدف تواق سخّرت له كافة قوانا..".

هل كان هذا الجيش إنجليزياً أم مقاتلين عرب، اعتقدوا في ساعة غفلة، أن ما يقوله لورانس لهم،

وهو الذي يعيش مثلهم، يترجم أقوال سادته؟ كان لورانس يعرف ما تريده بلاده، وهو تمزيق

العالم العربي، منذ البداية، ويعرف أن على العرب أن يجهلوا ما يعرفه. وبما أن الاعتراف بالحقيقة

لا يأتي إلا بعد غياب ضرورتها، بدا لورانس وهو يغادر العالم العربي، اقرب إلى "العرب" منه إلى غير

العرب، و"عرف كما هو آسف ونادم على ما حدث"، وهي الجملة الأخيرة قبل الخاتمة. وإن كان

ذلك الأسف وجد مكاناً في "الكتابة الأدبية" ولم يجد له موقعاً في الواقع، فقد بقي لورانس "جندياً"

قبل الحرب وبعدها.

3-  لورانس في شهادة عربية

كتب السياسي الفلسطيني العربي عوني عبد الهادي في مذكراته عن الأمير فيصل وهو ذاهب من

فرنسا إلى لندن في 9 كانون الأول عام 1918 ، وجاء لورانس إلى مرفأ بولون "ولشد ما سُّر سموّه

بلورانس الذي جاء لاستقباله في بولون. ومما يذكر بهذه المناسبة أنه حينما حضر سمو الأمير إلى

ميناء مرسسيليا في 26 تشرين الثاني 1918 لفت نظر الفرنسيين الكولونيل لورانس الذي حضر وعلى

رأسه الكوفية والعقال والخنجر الذهبي في وسطه، لباس أمراء العرب، ويظهر أن مظهر لورانس

كعربي لم يعجبهم فأشاروا إليه بمغادرة فرنسا على الفور، وذلك بإيعاز من وزارة الخارجية". كان

لقاء الأمير الأول مع لورانس عام 1916 في جزيرة العرب. "ولهذا السبب وجد فيصل في لورانس

رفيقاً نافعاً طيباً. ولذلك اتخذه مستشاراً خاصا له وضابط ارتباط بينه وبين المسؤولين البريطانيين"

وهو، أي الأمير، المعروف بنبله وصدقه وبراءته.

يكتب الأستاذ عبد الهادي وهو الذي عمل في السياسة عدة عقود عن لورنس: "كان لورانس واسع

الحيلة إلى حد بعيد، ويتظاهر أنه عربي أكثر منه إنجليزي، وأنه كان يعرف اللغة العربية قبل أي

عربي آخر (في أعمدة الحكمة السبعة). والواقع انه لم يكن يعرفها جيداً، بل كان يتحدث بها حديثاً.

كان فيصل بحاجة للاستفادة من لورانس، وكان الأخير يعتزم الاستفادة من فيصل لتحقيق المآرب

البريطانية". و"لعب لورانس دوراً مشيناً وهو يترجم ما جرى في لقاء سمو الأمير مع وايزمان"،

ذلك أنه لم يكن دقيقاً في الترجمة ونسب إلى الأمير شيئاً لم يقله، وذلك في ما عرف باتفاقية فيصل

وايزمان، التي كان فيها شروط متعددة.

يحمّل الأستاذ عوني لورانس مسؤولية ما حدث ويقول: كان لورانس إنجليزياً وقبل كل شيء، وكان

دائماً يسعى لخدمة المصالح البريطانية. والحقيقة أنه في هذا المجال كان يتبع سياستين متناقضتين:

إحداهما كانت في الميل للعرب )عندما كان الإنجليز يشعرون بحاجة للعرب(. والأخرى كانت دون

شك سياسة الميل مع اليهود والصهيونية. وأنا أعتقد أنه كان داخل نفسه ميالاً إلى الصهيونية اعتقاداً

منه أنها تتفق مع مصلحة بريطانية".

يبدو أن الخديعة، أو المخادعة، في نظر لورانس، عماداً من "أعمدة الحكمة السبعة"، فهي تتكئ

على القوة، والعبث بمقولات الأخلاق، ذلك أن للقوي حق الكذب، بقدر ما أنَّ على الضعيف

حق الامتثال، أو الاستقالة. لم تكن صداقة لورانس للعرب أكثر من لباسه العربي، الذي تقضي به

المناسبات وضرورات الخدمة، ويمكن الاستغناء عنه حال انتهاء المناسبة وتحقق المطلوب.

في الثورة العربية الكبرى، التي أطلقها الشريف حسين، ما يذكر العرب بكفاحهم من أجل التحرر

والاستقلال والوحدة العربية، وما يترجم وضع العرب في زمن "الإمبراطورية"، التي لم تكن تغيب

عنها الشمس، وتذكير بوضعهم في زمن "إمبراطورية لاحقة".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- Michael Asher: Lawrance published by penguin, 1998.

2-  أعمدة الحكمة السبعة، الأهلية للنشر، ع نّام، 1998.

3- مذكرات عوني عبد الهادي مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2002.

* كاتب وناقد فلسطيني.

التعليقات
عدد التعليقات: 0
مقالات
بقلم د.عاطف أبو سيف
بقلم د.جمال عبد الناصر محمد عبد الله أبو نحل
أدب وثقافة
بقلم د. عبد الرحيم جاموس
بقلم د. عبد الرحيم جاموس
بقلم د. عبد الرحيم جاموس
إستفتاء القراء
لمن ستصوت في الانتخابات البلدية؟
فتح
حماس
الجهاد
الاحزاب اليسارية
مستقلين
انتهت فترة التصويت
أسعار العملات بالشيكل
العملة سعر الشراء سعر البيع
الـدولار الامـريـكـي 3.63 3.62
الدينــار الأردنــــي 5.12 5.11
الـــيــــــــــــورو 4.28 4.27
الجـنيـه المـصــري 0.19 0.18
الرئيس محمود عباس: "«الكفاح الفلسطيني سيستمر حتى رفع العلم الفلسطيني فوق عاصمتنا الابدية مدينة القدس المحتلة». ::: "لن نركع، وقفنا وصمدنا وصبرنا نحن فعلا شعب أيوب، ومستعدون أن نصبر، لكن في النهاية لا بد أن نحقق ما نريد" ::: القدس هي البداية والنهاية، ومفتاح السلام، والقلب النابض لدولة فلسطين وعاصمتها التاريخية الأبدية ::: "نحن لا نغوى الموت، لكن مرحبا بالشهادة إن حصلت، على القدس رايحين أبطال وأحرار بالملايين'.. ::: إن شعب الجبارين لن يركع إلا لله تعالى ولن يستسلم أبداً، بل إننا صامدون وسنمضي قدماً للدفاع عن وجودنا ومقدساتنا وأرضنا وحقوق شعبنا. ::: اللهم يارب الكون أطعمنى أن أكون شهيداُ من شهداء القدس ::: فتح أول الرصاص وأول الحجارة ::: الفتح وجدت لتبقى وتنتصر ::: يريدوننى إما أسيراُ وإما طريداُ وإما قتيلاُ لا أنا بقلهم ... شهيداُ ... شهيداُ... شهيداً ::: علي القدس رايحيين شهداء بالملايين